محمد بن وليد الطرطوشي
62
سراج الملوك
فكما أن الزرع يكون في أول نباته أخضر ناعما اهتزّت الأرض به بعد يبسها ، فجاءت في العيون كأملح ما يكون ، ثم يهيج فتراه مصفرّا ، أي يكبر ويستوي ، فيجفّ ويحترق ، ويتكسّر أعلاه ، ويستقلّ بسنبله ، ثم يداس فيكون حطاما ، أي تبنا متكسّرا متقطّعا . وهذا مثل ضربه الله تعالى لبني آدم ، إذ كانوا أطفالا أول الولادة ، وفي حالة الطفولية كأحسن مرأى ، يعجبون الآباء ، ويفتنون ذوي الأحلام والنّهى « 1 » ، ثم يكبرون فيصيرون شيوخا ، منكّسة رؤوسهم ، مقوّسة ظهورهم ، قد ذهب حسنهم ونعومتهم ، وفني شبابهم وجمالهم ، وذوت غضارتهم ونضارتهم ، واستولى عليهم الهرم والشيب ، ثم يموتون فيصيرون حطاما في القبور ، كالتبن في الجرين « 2 » ، هذا بعد ما وصفها بخمس صفات مذمومة : لعب ، ولهو ، وزينة ، وتفاخر ، وتكاثر . وكان الصدر الأول يسمي الدنيا خنزيرة ، ولو وجدوا لها اسما أقبح منه لسمّوها به ، وكانوا يسمونها أم دفر - والدّفر : النّتن - . وقال مالك بن أنس « 3 » : بلغني أن ملكا من ملوك بني إسرائيل ، ركب يوما في زيّ عظيم ، فانتشر « 4 » له الناس ينظرون إليه أفواجا ، حتى مرّ برجل يعمل شيئا مكبّا عليه ، لم يلتفت إليه ولا رفع رأسه إليه ، فوقف الملك عليه ، وقال : كلّ الناس ينظرون إليّ إلا أنت ! فقال الرجل : إني رأيت ملكا مثلك ، وكان على هذه القرية فمات هو ومسكين ، فدفن إلى جنبه في يوم واحد ، وكنّا نعرفهما في الدنيا بأجسادهما ، ثم كنّا نعرفهما بقبريهما ، ثم نسفت الريح قبريهما ، وكشف عنهما ، فاختلطت عظامهما ، فلم أعرف الملك من المسكين ، فلذلك أقبلت على عملي ، وتركت النّظر إليك . وروي أن داود عليه السلام ، بينا هو يسيح في الجبال ؛ إذ وافى على غار ، فنظر فإذا فيه رجل عظيم الخلق من بني آدم ، وإذا عند رأسه حجر مكتوب بكتاب محفور فيه : أنا رستم الملك ، ملكت ألف عام ، وفتحت ألف مدينة ،
--> ( 1 ) ذوى النهى : أصحاب العقول . ( 2 ) الجرين : البيدر أو الموضع الذي يجفف فيه الثمر ونحوه . ( 3 ) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري : إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه تنسب المالكية ، ولمذهبه انتشار كبير في المغرب ، ولد وتوفي بالمدينة ( 93 - 179 ه ) ( الأعلام 5 / 257 ) . ( 4 ) في ( خ ) فتشرف له الناس : أي نظروا إليه من الشرفات .